ابراهيم بن محمد البيهقي

348

المحاسن والمساوئ

محاسن المكافأة قال بعض الحكماء : لا يكونن سلاحك على عدوّك أن تكثر سبّه وشتمه فإنّك إنّما تخبر عن خبره فيك وعجزك عنه ، ولكن عامله بالكظم وساتره بالحيلة ، فإن أقدمت مع الفرصة وإن غلبت على الظفر لم تغلب على ستر العجز . وقيل : الأدب الصبر على كظم الغيظ تملك الفرصة . وقال أبو عمرو « 1 » بن العلاء : لمّا قدم عبد الملك المدينة خطب فقال : يا أهل المدينة إنّا واللّه ما نحبّكم ما ذكرنا ما فعلتم بنا ولا تحبّونا ما ذكرتم ما فعلنا بكم ! وإنّما مثلنا ومثلكم كمثل حيّة كانت في جحر إلى جنبها خباء رجل فوثبت عليه فلسعته فقتلته فجاء أخو المقتول يطلب بثأر فقالت له الحيّة : لا تقتلني حتى أؤدّي إليك دية أخيك . ففارقها على ذلك وعاهدها فكانت تؤدّي إليه في كلّ يومين مالا ، فلمّا استوفى أكثر الدية قال : واللّه لو قتلتها كنت قد أدركت ثأري وأخذت الدية . فعمل فأسا وحدّدها ، فلمّا خرجت إليه أهوى إليها بالفأس فأخطأها ورجعت إلى جحرها فأسقط في يده . فقالت : واللّه ما الثأر أدركت ولا الدية استوفيت ! فقال : تعالي أعاقدك أن لا ينداك مني مكروه حتى أستوفي منك الدية . فقالت : أما ما رأيت قبر أخيك تجاهك وذكرت أنا الضربة فلن أثق بك ولن تثق بي . ثمّ أنشده : ألا هل لنا مولى يحبّ صلاحنا * فيعذرنا من مرّة المتناصرة وأنشد في مثله : ظلمت النّاس فاعترفوا بظلمي * فتبت فأزمعوا أن يظلموني فلست بصابر إلّا قليلا * فإن لم ينتهوا راجعت ديني ولآخر : إيّاك من ظلم الكريم فإنّه * مرّ مذاقته كطعم العلقم إنّ الكريم إذا رآك ظلمته * ذكر الظّلامة بعد نوم النّوّم فجفا الفراش وبات يطلب ثأره * أنفا وإن أغضى ولم يتكلّم محاسن الشدة ذكروا أن جندب بن العنبر كان شديد البأس وأن عوانة بن زيد عيّره يوما فقال : هل يسود الفتى إذا قبح الوج * ه وأمسى تراه غير عتيد

--> ( 1 ) أبو عمرو بن العلاء من القراء السبعة المشهورين .